أحمد بن محمود السيواسي
54
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
[ سورة غافر ( 40 ) : آية 35 ] الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) ثم وصفهم بالغيبة مستأنفا بقوله « 1 » ( الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ) أي بغير برهان ( أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً ) أي عظم جدالهم بغضا ( عِنْدَ اللَّهِ ) أي من عند اللّه ( وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ) ف « الَّذِينَ » مبتدأ ، خبره « كَبُرَ » باضمار جدالهم فاعلا له ، وفي « كَبُرَ » ضرب من التعجب والاستعظام ، قيل : يجوز أن يكون « الَّذِينَ يُجادِلُونَ » بدلا من « من هو مسرف » « 2 » ، لأنه في معنى الجمع ، والضمير في « كَبُرَ » ضمير « مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ » ( كَذلِكَ ) أي مثل ذلك الجدال ( يَطْبَعُ ) أي « 3 » يختم ( اللَّهِ ) بالكفر ( عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ ) عن طاعته بالإضافة وتركها ( جَبَّارٍ ) [ 35 ] أي متسلط على الخلق بالحكم عليهم بما يشاء من القتل وغيره من غير خوف من اللّه ، وإنما أسند التكبر إلى القلب ، لأنه إذا تكبر القلب تكبر صاحبه فهو مركزه . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 36 إلى 37 ] وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ( 36 ) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ ( 37 ) ( وَقالَ فِرْعَوْنُ ) لوزيره ( يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً ) أي قصرا عاليا ( لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ) [ 36 ] أي الأبواب ، ثم أبدل منها ( أَسْبابَ السَّماواتِ ) تفخيما لشأنها ، لأنه أبهمها ثم أوضحها ليشوق إليه نفس هامان ويتعجب منها ( فَأَطَّلِعَ ) بالرفع عطف على « أَبْلُغُ » ، وبالنصب جواب « لعل » « 4 » ، لأنه هنا بمعنى التمني ، أي لعلي أبلغ ما يوصلني إلى السماء فأطلع ( إِلى إِلهِ مُوسى ) لأعلم ما هو ( وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ ) أي موسى ( كاذِباً ) في أن له إلها غيري ، قال له تمويها على قومه لا تحقيقا ( وَكَذلِكَ ) أي مثل ما زين له سوء قوله ( زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ ) أي قبحه ( وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) مجهولا ومعلوما « 5 » ، أي صرف عن سبيل الهدى ( وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ ) أي مكره ( إِلَّا فِي تَبابٍ ) [ 37 ] أي في هلاك وخسار في الآخرة . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 38 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) ( وَقالَ الَّذِي آمَنَ ) وهو حزبيل ( يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ ) أي أطيعوني ( أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ) [ 38 ] أي أرشدكم دين الصواب . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 39 إلى 40 ] يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) ( يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ) أي شيء قليل يتمتع به ويشغل عن الفلاح مع زواله ( وَإِنَّ الْآخِرَةَ ) أي الجنة ( هِيَ دارُ الْقَرارِ ) [ 39 ] أي الإقامة لا زوال لها فليعتد لها لأنه ( مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً ) أي شركا ومعصية ( فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) يوم القيامة وهو النار إن لم يتب ( وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً ) أي من تاب وأطاع ( مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ) [ 40 ] أي بغير مقدار ، يعني رزقا واسعا بلا تبعة ، لأن الحسنات تتضاعف عند اللّه . [ سورة غافر ( 40 ) : آية 41 ] وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) ( وَيا قَوْمِ ) كرر النداء لزيادة تنبيه لهم وإيقاظهم عن سنة الغفلة وزيادة الواو في النداء الثالث ، لأن النداء الثاني داخل على كلام هو تفسير للمجمل الذي هو كلام النداء الأول الداخل تحت القول ، والثالث ليس كذلك
--> ( 1 ) مستأنفا بقوله ، وي : فقال مستأنفا ، ح . ( 2 ) نقل المؤلف هذا الرأي عن الكشاف ، 5 / 182 . ( 3 ) أي ، وي : - ح . ( 4 ) « فأطلع » : قرأ حفص بنصب العين وغيره برفعها . البدور الزاهرة ، 280 . ( 5 ) « وصد » : ضم الصاد الكوفيون ويعقوب ، وفتحها غيرهم . البدور الزاهرة ، 280 .